أبوحميدي: أشعر بالأسى من التفكك الأسري بين أهالي مكة المكرمة



أبوحميدي: أشعر بالأسى من التفكك الأسري بين أهالي مكة المكرمة

ولد وترعرع في إحدى أشهر الحارات القديمة بمكة المكرمة، فيراوده الحنين إليها ويشتاق إلى كبار رموزها وأعيانها الذين زرعوا قيم التسامح والمحبة والأخوة بين أهلها.

ويروي الأستاذ

محمد أبوحميدي

، في حوار مع

صحيفة “مكة” الإلكترونية

، سمات تلك المرحلة في حياة أهالي مكة الاجتماعية وأبرز الأحداث التي عصفت بها ابتداء من الاعتداء الآثم على الحرم، الحريق الذي شبّ في مشعر منى.

1- في البدء نتعرف على ابن مكة المكرمة؟

اسمي محمد شاكر محمد سعيد أبوحميدي عاشق ومحب لكل ما في مكة المكرمة.

2- في أي حارة كانت نشأتكم أستاذ محمد؟

 ولدت بالحارة المكية العريقة بجرول ونشأت بحارة شعبة المغاربة المطلة على المسجد الحرام، واسمح لي بهذه المناسبة التغني بجرول وأهلها وبجزء من كلمات كتبتها:

“مساء معطر بأزكى السلام والصلوات على شفيعنا وحبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام.. مساء الورد والخيرات والعود والريحان والكادي عليكم يا أهل جرول. يا أهل النخوة والفزعات وكل وصف حلو لكم يا أهل جرول. أنا جرولي وأفتخر بأهلي وناسي وعزوتي أهل جرول وياليت مكة كلها جرول. يا هلا ويا مرحبا بأطيب ناس، أهلي أهل جرول “.

3- أين تلقيتم تعليمكم؟

 درست جميع المراحل التعليمية في مكة المكرمة بفضل الله فقد درست المرحلة الابتدائية بمدرسة الخالدية الابتدائية، والمتوسطة بمدرسة أم القرى، أما المرحلة الثانوية ففي مدرسة الملك عبدالعزيز بحي العزيزية، وحصلت على البكالوريوس قسم تاريخ من جامعة أم القرى بمكة المكرمة.

4- ماذا بقي في الذاكرة من أحداث عشتم معها عراقة الحارة؟

الحارة ولله الحمد كلها محبة، وتآلف، ونخوة، وشهامة، وتجد أن الجار بمثابة الأب الثاني لك وخاصة في التوجيه والمساعدة .

5- في مرحلة الطفولة العديد من التطلعات المستقبلية.. ماذا كنتم تأملون حينها؟

كنت أتطلع حقيقة في صغري لأن أخدم في السلك العسكري، أو في الخطوط الجوية السعودية. وعن الالتحاق بالدراسة العسكرية تحديدا أمرني والدي- يرحمه الله تعالى- بصرف النظر عنها؛ بعد أن سمع من أحد أقاربه أن العمل العسكري متعب ومرهق، وفيه تنقلات بين المدن،وعدم استقرار.

6- تربية الأبناء في السابق بنيت على قواعد صلبة ومتينة.. ما هي الأصول المتعارف عليها في ذلك الوقت؟

أساس تربيتنا مبني على التمسك بأداء الشعائر الدينية، والتواصل مع الأقارب، والأرحام، واحترام الجار كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

7- في تشكيل صفاتكم ساهمت العديد من العادات والتقاليد المكية في تكوينها ما أبرزها؟

تكاد العادات والتقاليد في جميع حارات مكة المكرمة متشابهة إلى حد كبير مع وجود اختلافات بسيطة جدا، وعموما من الأشياء المتوارثة الطيبة، والكرم،واحترام الكبير، وتقدير الجار، وخدمة الحجاج والمعتمرين.

8- الأمثال الشعبية القديمة لها أثر بالغ في النفس.. ما هي الأمثال التي لازالت باقية في الذهن؟ ولماذا؟

بطبيعة الحال.. فهناك مثل جميل أتذكره وهو : (جارك القريب أحسن من أخوك البعيد) فهنا تأكيد على أهمية مراعاة الجار وتقديره.

9- الحياة الوظيفية.. أين كان لشخصكم القدير أول بدايتها وآخرها؟

تشرفت بالعمل معلما بفضل الله تعالى بعد تخرجي من جامعة أم القرى حيث خدمت ثلاث سنوات في بداية تعييني بمحافظة الحناكية تعليم منطقة المدينة المنورة، ثم انتقلت لمكة المكرمة وتعينت بمدرسة الحسن بن علي المتوسطة بحارة العتيبية ولمدة خمس وعشرين وتقاعدت مبكرا.

10- شهر رمضان المبارك وشهر الحج من المواسم الدينية المميزة حدثنا عنها؟

شهر رمضان المبارك كان له ميزة جميلة في الحارة حيث يتبادل الناس أطباق الأطعمة في الإفطار، والزيارات المتبادلة وخاصة بين الأقارب، والألعاب الشعبية المنتشرة آنذاك وأشهرها لعبة المراجيح وكانت مكة هي المدينة الوحيدة بين مدن المملكة التي يسهر أهلها حتى الفجر..!!

أما عن شهر الحج فيسميه أهل مكة المكرمة (الموسم) فالجميع يعمل وتكون الحواري شبه خالية من الرجال الذين يعملون في الحج سواء بالعمل الحكومي أو الأعمال الخاصة مع المطوفين، أو شركات سيارات نقل الحجاج، أو البيع والشراء بالأسواق التجارية.

11- تغيرت أدوار العمد في الوقت الحاضر وأصبحت محددة.. كيف كان سابقا دور العمدة في الحارة؟

العمدة في السابق كانت له مكانة وهيبة واحترام يحل المشاكل في الحارة، وينهي الخلافات قبل وصولها إلى الجهات المختصة. أما الآن فالأنظمة، والقوانين وتغير بعض أخلاقيات الناس حالت دون ذلك للأسف !.

12- القامات الاجتماعية من تتذكرون منها والتي كان لها الحضور الملفات في الحارة؟

القامات الاجتماعية من عمدة الحارة، ورجال الحارة المعروفين بالحكمة، والوعي والرأي السديد، فمن الأسر المكية العريقة المعروفة بجرول آل أبو حميدي، آل الهباش، آل بن حسان، آل حياة، السادة الهواشم وكل بيت وأسرة من جرول لها ميزة واسم عند المكيين .

13- وما علاقة أسرة أبوحميدي بالمحمل المصري قديما؟

في البدء أحب أن أوضح أن أسرة أبوحميدي نزلت في جرول منذ أكثر من مائتي عام قادمة من المدينة المنورة وتحديدا من وادي الصفراء وهي من الحوازم من قبيلة حرب، والمقوم في ذلك الزمن يتم تعيينه بأمر من أمير مكة المكرمة وقد تولى محمد أبوحميدي قوامة المحمل المصري في عهد الشريف الحسين بن علي تحديدا من العام 1318هجري حتى عام1353 هجري.

ثم تولاها بعد ذلك ابنه الأكبر حامد أبو حميدي. وكان المحمل المصري ترسله الحكومة المصرية وتحمل فيه كسوة الكعبة المشرفة فيه أيضا الأعطيات، والصدقات، والهدايا، والمرتبات لموظفي الحرمين، وأيضا للأهالي، وشيوخ القبائل، ويترأس المحمل قائد عسكري برتبة لواء يساعده موظفون عسكريون وموظفون مدنيون وأعداد كبيرة من الحجاج المصريين.

14- لو عادت بكم الأيام أستاذ محمد ماذا تتمنون ؟

رؤية أبي – يرحمه الله تعالى – .

15- المدرسة، والمعلم، والطالب ثلاثي مرتبط بالكثير من المواقف المختلفة.. هل تعرفونا على بعض منها؟

ثلاثي متكامل ومتناغم، فالمدرسة البيت الثاني لنا، والمعلم كان بمثابة الأب لطلابه، والطلاب كانوا على خلق عال وأدب رفيع. وكانت العلاقة الحسنة هي سيدة الموقف في كل الأحوال.

16- كثرت وسائل الإعلام في الوقت الحاضر وأصبحت مرافقة مع الناس في كل مكان.. ما هي الوسائل المتوفرة لديكم في السابق؟ وما مدى تأثيرها؟

ما كان متوفرا لدينا في ذلك الوقت وقبل خمسين عاما هي الصحف الورقية، إضافة إلى التلفزيون والإذاعة، أما تأثيرها فكان محدودا جدا.

17- تظل للأفراح وقفات جميلة لا تنسى.. ماذا تتذكرون من تلك اللحظات السعيدة؟ وكيف كانت؟

كما أسلفت تتميز الحارات المكية بالترابط، والتكاتف، والقيام بالواجب الاجتماعي المفترض، فالفرح في الحارة لا يمثل أهل المناسبة فقط بل يمثل جميع أهالي الحارة.

18- الأحزان في الحياة سنة ماضية.. كيف كان لأهل الحارة التخفيف من وقعها؟

نفس الكلام الذي ينطبق على أهل الحارة في الأفراح ينطبق في الأحزان، فتجد جميع شيوخ أهل الحارة، ورجالاتها، وشبابها يدا واحدا في السراء والضراء على حد سواء.

19- الأحداث التاريخية الشهيرة في حياتكم والتي عايشتموها.. هل تتذكرونها وما الأبرز من تفاصيلها؟

الأحداث التاريخية في حياتي ولن أنساها هي : الأولى وفاة الملك فيصل يرحمه الله تعالى، والثانية حادثة الاعتداء الآثم على الحرم المكي الشريف من قبل المعتدي جهيمان وزمرته الباغية، والثالثة حريق منى.

20- ما هي الألعاب الشعبية التي اشتهرت بها حارة جرول؟

الألعاب الشعبية متنوعة في حارة جرول ولكن يأتي في مقدمتها لعبة المزمار المشهورة.

21- ماذا تودون قوله لسكان الحارة القديمة؟

كنت ولازلت أحمل لكم كل مشاعر الحب والتقدير والاحترام

ولن أنسى الأيام الجميلة معكم أبدا.

22- رسالة لأهالي الأحياء الجديدة.. وماذا يعجبكم الآن فيهم؟

تصفحوا الماضي جيدا، وستجدون فيه كل معاني الوفاء. أما ما يعجبني فيهم فهو الوعي والاطلاع على كل جديد.

23- كيف تقضون أوقات فراغكم في الوقت الحالي ؟

في التواصل مع ذوي القربة والأرحام، وفي القراءات التاريخية بحكم التخصص، ومتابعة وسائل الإعلام، وكرة القدم.

24- موقف شخصي مؤثر حصل لكم ولا تنسونه ؟

كان معنا زميل قدير اسمه الأستاذ جميل بخش في مدرسة الحسن بن علي المتوسطة فجاءني اتصال وأنا مكلف وقتها بوكالة المدرسة وهو خبر وفاة والدته فأبلغته الخبر المؤسف، ولم ينصرف حتى أدى حصته كاملة فتعجبت وقلت: يا أستاذ لديك حالة وفاة وتدرس فقال: هذه أمانة لن أفرط فيها، والدفن يتبقى عليه وقت واسع أستطيع اللحاق به. فذرفت دموعي تأثرا وإكبارا لهذا الموقف العظيم.

25- بصراحة.. ما الذي يبكيكم في الوقت الراهن؟

بكل أمانة بداية التفكك الأسري.

26- ماذا تحملون من طرف جميلة في دواخلكم؟

كنت على علاقة أبوية كبيرة ولطيفة مع أبنائي الطلاب، وكان لدي طالب منصرف فكره عن الدراسة تماما، فقلت له مازحا أنت تنفع أن تكون سائق تاكسي.

وفي يوم تعطلت سيارتي ورغبت أن أكمل مشواري وطلعت مع صاحب تاكسي وإذ به ذلك الطالب الذي قلت له أنت تنفع سائق تاكسي، وقال لي متبسما أبشرك أصبحت سائق تاكسي فاعتذرت له بأني لم أقصد أية إساءة وهذا المهنة ليست عيبا.. فقال لي : الحمد لله يا أستاذ إني بخير كبير من الله ولله الحمد والمنة.

27- لمن تقولون لن ننساكم؟

لن أنسى والديّ – رحمهما الله تعالى –  وأخوة، وأقارب وأصدقاء كانت لهم مكانة خاصة في قلبي.

28- ولمن تقولون ما كان العشم منكم؟

لمن تخلى من أبناء مكة القدامى عن مسقط رأسهم في أم القرى.

29- التسامح والعفو من الصفات الإنسانية الراقية.. تقولون لمن سامحونا.. وتقولون لمن سامحناكم؟

أقول لكل من قصرنا في حقه أن يسامحنا، وأنا مسامح الجميع.

30- نادي الوحدة ماهي المشكلة الأزلية فيه ؟ وكيف تجدون مستقبله برأيكم ؟

المشكلة الأولى عدم وجود شخصية قيادية تضم الجميع تحت شعار الكيان، وخاصة بعد وفاة الدكتور محمد عبده يماني – يرحمه الله تعالى – وأيضا المشكلة المالية.

وإن كان هذا العام سررنا بالمستوى الفني للفريق الأول لكرة القدم وخاصة في الدور الأول. والخبر المفرح والجميل تولي معالي المستشار تركي آل الشيخ رئاسة أعضاء الشرف الوحداوي فمن الأعماق شكرا لمعاليه.

31- كلمة أخيرة أستاذ محمد أبوحميدي في ختام لقاء ابن مكة الماتع؟.

كلمة أخيرة لكل ولي أمر وربة بيت ربوا أبناءكم على التمسك بشعائر وفرائض الدين القويم، وحثهم على مكارم الأخلاق والقيم الكريمة والعادات الحسنة.

شكرا لصحيفة مكة الالكترونية، وللابن العزيز عبدالرحمن الأحمدي.

لقراءة الخبر من المصدر في صحيفة مكة